أبي طالب المكي

74

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

وكان المقربون هم الأعلون . كان أيضا فيما دلّ الفهم عليه ، أنّ للمقربين من كل هول روحا به لشهادتهم القريب ، وفي كل قرب منه ريحان لقرب الحبيب فبذلك علوا وبذلك فضلوا . وهكذا قال بعض الصوفية : « سرّ العارف في الأشياء واقف مثل الماء في البئر » لا يختار المقام وإن أخرج خرج ، فإن ذم هذا الراضي ما ذمه الله ، وكره ما كرهه الله لم ينقص ذلك رضاه . وكان محسنا في فعله لموافقته مولاه ، وإن لم يرض بحاله نقص في الدين والآخرة أو كره مزيد الدنيا من الكثرة والجمع والادخار لم يقدح ذلك في رضاه لأنه من التحقق بالزهد ، وهو في جميع ذلك موافق للعلم . والله تعالى أعلم بأحكامه من العبد وأغير على نفسه من الغير ، وأعلى مشاهدة من الخلق ، له المثل الأعلى . فهو على ذلك يشهد أحكامه ويذم المحكوم عليه إذ تعدى حدود أمره ، وينفذ علمه بمشيئته ويمقت العاصين له باجتراح نهيه ، حكمة منه وعدلا . كما أنه يشهد يده في العطاء ويمدح المنفقين . ويمضي إرادته بالقضاء بتوفيقه ، ويشكر العاملين كرما منه وفضلا . كذلك الراضي عنه موافق فيما حكم ومتبع له فيما رسم ، ومسلم له فيما قدر وعالم منه راض بما دبر ، ومستعمل لما شرع ومواطئ لرسوله ، يذم ما ذمه مولاه ويمدح ما مدحه لأجل مولاه لا لأجل نفعه إياه . والتحدث بالأوجاع والإخبار عن المصائب لا ينقص حال الراضي إذا رآها نعمة من الله عليه ، وكان القلب مسلما راضيا غير متسخط ولا متبرم بمر القضاء ، وأوّل الرضا الصبر ثم القناعة ، ثم الزهد ثم المحبة . ثم التوكل . فالرضا حينئذ حال المتوكل والتوكل مقام الرضا . وقال فضيل : إذا استوى العطاء والمنع عند العبد فهو الرضا . وقال غيره : إذا لم يختلف قلبه في العدم والوجود وفي الصحة والسقم فقد رضي . وقال الثوري : منع الله عطاءه لأنه يمنع من غير بخل ولا عدم ، فمنعه اختبار وحسن نظر . وهذا كما قال لأن حقيقة المنع إنما يكون لمن لك عنده شيء فمنعك أو تستحق عليه شيئا فلم يعطك ، فأما من لا تستحق عليه شيئا ، ولا لك معه شيء لأنه الأول قبل كل شيء ، والمظهر لكل شيء ، والمالك لما أظهر ، والمختار لما خلق وليس لأحد من خلقه اختيار ، ولا في حكمه اشتراك ، له الخلق والأمر ولا يشرك في حكمه أحدا . والعبد لم يكن شيئا مذكورا ، فكل شيء اختاره فهو عطاء منه على تفاوت مقادير وضروب أحكام ، وتصاريف تدبير حلو ومر ولطف وعنف وشدة ورخاء ، وموافقة للنفس ومرفق ومخالفة لما يهوى مما لطبعها لا يوافق ، فالصبر على الأحكام مقام المؤمنين والرضا بها مقام الموقنين . ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ، واعلم أن الرضا في مقامات اليقين وأحوال المحبين ، ومشاهدة المتوكلين وهو داخل في كل أفعال الله سبحانه لأنها عن قضائه ، لا يكون في ملكه إلَّا ما قضاه فعلى العارفين به الرضا بالقضاء .